الشيخ محمد رشيد رضا
354
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وفيه ما فيه . وأما الحرث فترجمه بكلمة « تارلا » وهي الأرض المعدة لزرع الحبوب دون المشجرة ومن المعلوم أن الكناية تجامع الحقيقة فاحلال الرفث إلى النساء في ليالي رمضان يدل بمفهومه على حظر الرفث بالقول على الصائم وهو المعنى الحقيقي للكلمة كما يدل على تحريم الفعل المكني عنه . والترجمة التركية لا تفيد الدلالتين وترجم قوله تعالى ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) الخ بما معناه : لا تصلوا في حال سكركم بل انتظروا أن تجيئوا إلى حال يمكنكم أن تفهموا فيها ما تقولون - ولا تعبدوا في حال كونكم جنبا بل انتظروا الغسل . وهذه ترجمة تفسيرية باطلة من وجوه كما يرى القارئ وليس فيها تفريق بين الحالين ولا بين الحكمين . وأما قوله تعالى في الظالمين ( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) فقد ترجمه بما معناه الحرفي : يمهلهم اللّه إلى يوم يعطفون فيه أنظارهم إلى السماء بصورة كاملة ، وستبقى قلوبهم فارغة ، وأنظارهم ثابتة ، وهم يسرعون بعجلة رفعت رؤوسهم اه فزاد على الأصل توجيه النظر إلى السماء وقوله بصورة كاملة أراد به تفسير شخوص البصر وهو لا يؤدي معناه ولا يصور ذلك الوصف البليغ المؤثر للابصار الشاخصة ، والرؤوس المقنعة ، والأعناق المهطعة ، بل لم يذكر الرؤوس والأعناق البتة . وإذا كان بهذه الدركة من العجز مع استعانته بالألفاظ العربية فكيف تكون ترجمتهم لكتاب اللّه تعالى إذا حاولوا أن تكون تركية خالصة خالية من الالفاظ العربية كما يطلب غلاة غواتهم ؟ هذا وان في هذه الترجمة من الغلط وتحريف المعاني والزيادة والنقصان مالا يعقل له المطلع عليه سببا الا تعمد الاضلال لأن الجهل وحده لا يهبط بهذا المترجم إلى هذا الدرك الأسفل مع ادعائه الوقوف عند حدود التعبير عن مدلول اللفظ العربي بلفظ تركي كوظيفة مترجمي المحاكم القضائية فمن التحريف المخل الدال على سوء النية ترجمة قوله تعالى ( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) ( سورة يونس آية 87 ) اتفق مفسرو السلف والخلف على أن معنى اتخاذ بيوتهم قبلة أن يصلوا فيها